توجيه النبيه لمرضاة باريه (١٤) سلسلة توجيهات وتنبيهات في تصحيح مسار الدعوة يبينها ويطرحها الحبيب عمر

توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

دعوة الأنبياء عهود بين العباد والمعبود

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: أحوالٌ ابتلعت المسلمين، إن شاء الله يُخلِّصهم الله منها، (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء ٨٧-٨٨]، الله معي، وبه الثقة وعليه التُّكْلان، وإذْ (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) [الصف: ١٤]، وإذْ قد فَعَل ذلك ببني إسرائيل فأن يفعل ذلك بالأُمَّة أَوْلى؛ لما اقتضاه اختيارُه واصطفاؤه وكرمه لهذه الأمة المحمدية.

والخلاصة أن دعوات الأنبياء والرسل هؤلاء التي توجهت للعباد عبارة عن عُقود وعُهود بين الواحد المعبود ومَن يستجيب من عباده لذلك ويدركه، ثم اختلفت بعد ذلك أحوال المستجيبين للدعوة، فمنهم مَن شهِد شهادة الحق، واكتفى بالعمل بها في خاصة نفسه، ولم ينتهض فكان من القاعدين. ومنهم مَن علم أن مقتضاها ما يجعله عاشقًا للبذل في سبيل الرب تعالى، وعاشقًا لأنواع التضحيات فكان مُسابِقًا ومُسارِعًا للصفوف، قال تعالى في الفريقين: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ). فلم يخرجهم من قاعدة الإيمان، ولكنهم ما استوَوْا مع الصنف الآخَر (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: ٩٥-٩٦]، وقال عن الذين أدَّاهم [1] تقاعُدهم إلى نقص في إقامتهم لأمر الحق: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ٩٧]، ثم قال في الآية الأخرى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) [الحديد: ١٠]، وإذْ قد أنفقوا وقاتلوا معهم فهذا مقامهم، وأما القاعدون ممَّن ليس لهم غرضٌ أن يجاهدوا فقد انتهى أمرُهم وعُلِم مصيرهم.

وأمَّا هؤلاء المجاهدون قد قال الله عنهم: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) [الحديد: ١٠]، مع أنهم كلهم أنفقوا وقاتلوا لكن هؤلاء أعظمُ درجةً؛ لأنهم أنفقوا وقاتلوا وقتَ الشدة، ووقت أن كان الحال أصعب، وقبل الفتح، فتبيَّنتْ بذلك المراتب للاستجابة لهذه الدعوة.

إذا فهمتهم ذلك فأين نحن في أعمالنا من مراتب هذه الاستجابة؟ بمعنى أننا نريد أن ندرك حقَّ الإدراك لمعنى انتمائنا لهذه الدعوة وقيامنا بها، وما هو تفسيره؟ وما هو بيانه؟ وما هي حقيقته؟ وندرك أن لِلهِ فيه اختيارًا يظهر في الصدق والعزم من المستجيبين، وندرك أنه لا يصلح له مَن آثَر الحياة الدنيا، ولا يصلح له مَن كان قصده غير الحق تبارك وتعالى.

إذا أدركنا معنى اجتماعنا وإياكم واستجابتنا لهذه الدعوة، فنعلم أنه لا يقوم أمرُها إلا بصفات يجب أن نتخلَّى عنها وننخلع منها، ونتصفَّى فنقلع جذورها منا، وصفات يجب أن نتحلَّى بها، ونقوِّي مَغْرسها في نفوسنا، يترتب عليه بعد ذلك قيام كل عامل من في أي مجال من مجالات العمل في هذه الدعوة، في البلد أو في خارجها، قيامه بالأمر على وجه الصفاء، على وجه النقاء، على وجه التقى، وعلى وجه الإحسان، وعلى وجه الإتقان، وعلى وجه التفاني وبَذْل الوُسْع.

 

[1] أي: أوصلهم.