توجيه النبيه لمرضاة باريه هو عبارة عن سلسلة من التوجيهات المهمة في مجال الدعوة يشرحها المربي الحبيب عمر.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المبدأ وأهميته في توضيح الطريق

 

وقال رضي الله عنه ونفعنا به: بئس الإنسانُ إنسانٌ ليس له مبدأٌ أمامه أغلى من الولد، وأغلى من الأهل والوطن، وأغلى من كل شيء في حياته، هذا إنسان ما طَرق القِيَمَ، ولا دَخَل باب التكريم من مولى الكرم جلَّ جلاله.
إنسان لا يحمل بين جوانحه مبدأً يُوقِن به يقينا يحملُه على أن يترك من أجله أوطانًا وأولادًا وأهلًا، وأن يتحمَّل المشاق. وكثيرٌ من الناس حَسِبَ أن اتصاله بهذا الدين العظيم يكفي أن يقوم فيه ببعض واجباته، أو يحافظ على بعض فرائضه ويكفيه ذلك، وليس له ضمير ولا شعور يُهيِّئه ويُشعِره بأنه صاحب مبدأ من أجله سيقاتل، ومن أجله يدافع، وله يسافر، ومن أجله يقيم، ومن أجله يتحرك في الحياة، ومن أجله ربما غيَّر موازين مصالحه الدنيوية، ومن أجله ربما فعل وربما فعل.
هذا هو المبدأ الذي جاء به نبيُّكم محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، مبدأ بعظمته وجلاله ومكانته وفخامته، إذا عرفه أصحابه احتقروا كل شيء مقابلَه، هذا المبدأ هو مبدؤكم أنتم؛ لأنكم على ظهر الأرض تحملون مبدأً سماويًّا، تولَّى رب الأرض والسماء بيانَه وإرساله، واختار لكم في تبليغه أحب خلقه إليه وأكرم العباد عليه.
فأنعِمْ بمن عرف منكم عظمة هذا المبدأ، ومكانة هذا المبدأ، وأحقية هذا المبدأ، وعلم أنه أغلى شيء على ظهر هذه الأرض، وأنه لا يوجد في شرق الأرض ولا غربها ما يساويه، ولا ما يقرب منه ولا ما يدانيه، ولا ما يساوي شيئًا من قِيَمه ومبادئه، وأنه ليس على ظهر الأرض في عقله وفي مشاعره وفي عواطفه أغلى من هذا المبدأ، وهذا الْمِنهاج، وهذا الدِّين، وهذه الطريقة، وهذا الوحي الذي خصَّ اللهُ به نبيَّنا المصطفى صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
هذا المبدأ هو أغلى شيء في هذا الوجود، وفي ذلك يقال: «إن اللهَ عزَّ وجلَّ يُعطِي الدنيا مَن يحب ومَن لا يحب، ولا يُعطِي الدِّينَ إلَّا من أحب» [1]، ومن أعطاه الدين عرف قِيمةَ الدين وعظمتَه، وعاش للدين، ومات في سيبل هذا الدين، وحَيِيَ لهذا الدين، وأقام من أجل الدين، وتعامل مع الناس على ضوء هذا الدين، وعلم أن معنى هذا الدين كمال الاستسلام لرب العالمين جلَّ جلاله وتعالت عظمتُه.
وما أشدَّ الحسرةَ على من مضت حياتُه وهو لا يستضيء بهذا النور، بل لا حقيقةَ لإيمان يَقرُّ في فؤاد العبد إلا بالاستسلام لهذا النور، والخضوع لهذا النور، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: ٦٥]، و«لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبَعًا لِمَا جئتُ به» [2].
وذلك أن الهوى [3] هو الغالب على عامة الخلائق، وهو شَوكة الميزان التي تُبيِّن اتجاهَ الإنسان في الحياة، فإن لكل إنسان في الحياة هوًى، وإن لهم في تيسير أهوائهم والسير معها أحوالًا، هي حقيقةُ ما يَقرُّ في قلوبهم أو وِجْهتهم التي يتوجَّهون إليها (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة: ١٤٨]، و(قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) [الأعراف: ١٦۰].
فوِجهتك من حيث توجُّه قلبِك وخاطرك تَظهر في الهوى، أين يذهب بك هواك؟ هل عندك قاعدة تضبط بها هواك حينما تريد أن تتصرف أو تتكلم أو تتحرك في هذه الحياة، أم أن هواك هو الذي يُحرِّك، وهو الذي يسيطر، أم أن إرادة الفانيات هي التي تُخضِع مقتضى هواك؟ و«لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبَعًا لِمَا جئتُ به [4]، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
فلا واللهِ، لا يذوق السعادةَ في الدنيا قبل الآخرة إلا شخصٌ وقف بهواه وعواطفه ومشاعره كلها أمام هذا النور.

هو النورُ المبِينُ به اهتدَيْنا          هو الداعي إلى أقوى سَبِيلِ
أتانا داعيًا بالحقِّ يدعو          إلى الإسلامِ بالقولِ الثقِيلِ
فبادَرَ بالإجابةِ كلُّ عبدٍ          مُطيعٍ للإله وللرسولِ
وأنكرَ كلُّ ذي كُفر وبَغْيٍ          وأعرضَ كلُّ خَتَّالٍ ضَلُولِ
ففاز المقبلون بكلِّ خَيْرٍ          وعُقْباهم إلى الظلِّ الظَّلِيلِ
وخاب الْمُعرِضون وكان عُقبَى          مَعاصيهم إلى الْخِزْيِ الوَبِيلِ [5]

 
 

[1] رواه الإمام أحمد، وتتمة الحديث: «فمن أعطاه اللهُ الدينَ فقد أحبَّه».
[2] أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وقد صحَّحه النووي في آخر “الأربعين”.
[3] الهوى هو مَيل النفس الخاطئ، ولِخُطورة اتباعه قال جل جلاله: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) [المؤمنون: 71].
[4] سبق تخريجه
[5] الأبيات من قصيدة للإمام علي بن محمد الحبشي، مطلعها:
لكم بُشْرَى الإجابةِ والقَبولِ مِنَ المولى بواسطةِ الرسولِ
دَعا داعِي العنايةِ فاستجبتُمْ وبادرتُمْ إلى الفضلِ الجَزِيلِ