يقدم لنا فضيلة الشيخ رؤيته في أسباب ترك السنة النبوية، مع بيان أهميتها في التشريع الإسلامي وكذلك ضرورة استعادتها، كما يقدم لنا أطروحته في كيفية إحياء السنة النبوية الشريفة، ودور كل فرد من أفراد المجتمع في هذا الإحياء، إلى جانب أهم التحديات التي سيواجهها من أراد تطبيق هذه المنهجية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الخلق العظيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإن من عظيم منة الله تعالى على عباده بعثة خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جاءت شريعته عامة شاملة، مستوعبة كل جوانب حياة الإنسان، ملبية لجميع حاجاتها المادية والمعنوية والروحية والنفسية. باتباعها والسير على نهجها تسمو حياة الإنسان وترتقي، بها تستقر حياة الفرد، ويحصل التجانس بين أفراد الأسرة، ويسير المجتمع بمراعاتها في سبيل قويم مستقيم يوصله إلى السعادة التي ينشدها كل بني الإنسان.
هذا هو المقال الأول من أربعة مقالات عن موضوع “كيفية إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العصر، والتحديات التي تواجه عملية الإحياء”.
أتناول هذا الموضوع إن شاء الله تعالى من أربعة محاور، أتكلم في كل مقال عن محور منها، مع تمهيد في بيان السنة ومعانيها.
المحور الأول: مكانة السنة النبوية وأهميتها في التشريع.
المحور الثاني: أسباب تراجع التمسك بالسنة النبوية.
المحور الثالث: العوامل المعينة على إحياء السنة النبوية والتمسك بها.
المحور الرابع: التحديات التي تواجه إحياء سنة النبي صلى الله عيه وسلم.
 
تمهيد: مفهوم السنة:
يطلق لفظ السنة على عدة معان، بعضها لغوي والآخر اصطلاحي.
 
الأول: ما يقابل الفرض، يقال: فرض الظهر، وسنة الظهر.
وهذا المعنى اصطلاحي، يستعمله الفقهاء والأصوليون.
 
الثاني: المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو تقريره أو صفته.
وهي بهذا المعنى تقابل “الكتاب”. وهي المصدر الثاني من مصادر التشريع. والسنة بهذا المعنى يستعملها المحدثون والأصوليون [1].
 
الثالث: الطريقة والسيرة والمنهج [2].
وهو معنى لغوي للسنة، استخدم كثيرا في كلام الشارع. من ذلك قوله تعالى: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} [الأحزاب: ۳٨]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي” [3].
وهذا المعنى الأخير هو المقصود بالمقال، وهو الذي يهتم ويعتني به الدعاة والمصلحون.
 
المحور الأول: مكانة السنة النبوية، وأهميتها في التشريع:
تمثل السنة التي هي المصدر الثاني للتشريع مرجعا رئيسا لمن يريد التعرف على نهج النبي صلى الله علية وسلم وسيرته، لذا كان من المهم التعرض للكلام عن مكانتها وأهميتها، وأتناول ذلك من خلال نقطتين:
أ – السنة جانب تطبيقي للإسلام.
ب – السنة بيان للقرآن وشرح له.

 

أ – السنة جانب تطبيقي للإسلام:
إن حاجة الإنسان للدين كحاجته لطعامه وشرابه، فإن للروح حاجاتها كما للجسد حاجاته. وربما توصل الإنسان بعقله وتأمله في الكون والإنسان إلى أن للكون خالقا أبدعه، وللإنسان موجدا برأه وصوره، لكن يعجز بمحض عقله إلى إقامة العلاقة الصحيحة مع خالقه، فإن عقله لا يهديه إلى طبيعة العبادات التي يريدها الخالق من عبده، ولا إلى عددها وأوقاتها، لذلك كانت الحاجة ماسة إلى إرسال رسل يكونون وسطاء بين العبد وربه، يوضحون ويشرحون ما يريد الله من عباده.
يقول ابن القيم في معرض حديثه عن الرسل: “فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير” [4] .
من هنا كانت حاجة البشرية إلى بعثة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حاجة كبيرة، لعموم شريعته وكونها ناسخة لشرائع من قبله، لذلك جاءت الآيات مذكرة بمنة الله تعالى على عباده، ونعمته ببعثه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذبعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم…} [آل عمران: ١٦٤]، وقال سبحانه: {واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} [البقرة: ۲۳١]، إلى غير ذلك من الآيات.
وحياة النبي صلى الله عليه وسلم هي تطبيق عملي للإسلام بكل جهاته وجوانبه، الجسدية والنفسية والروحية والمادية، ولا بد لمن ينشد الجانب العملي للإسلام من أن يقف على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها المصدر الأساسي الذي يصف هذا الجانب ويوضحه من خلال سيرته ونهجه صلى الله عليه وسلم.

ب – السنة بيان للقرآن وشرح له:
جاء القرآن الكريم بأصول الأحكام والأخلاق وأسسها، وترك مهمة شرح وبيان تفاصيلها للسنة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فبالسنة عرفنا كيف نؤدي هذه العبادات، وعرفنا أوقاتها وأركانها، وغير ذلك من أحكامها.
بل إن السنة انفردت بتشريعات لم يتعرض القرآن لذكرها، مما يمثل جانبا تعامليا حياتيا، كالوقف والمفقود والشفعة واللقيط واللقطة، وغير ذلك.
هذا هو المحور الأول من محاور هذا الموضوع. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

[1]ينظر: فتح الباقي / 1 / 95/، وإفاضة الأنوار ص 176.
[2] المصباح المنير، مادة “س ن ن”.
[3] أخرجه أبو داود /4/200/(4607)، والترمذي /4/341/(2676)، وابن ماجه /1/29/(43)، وصححه ابن حبان /1/178/(5).
[4] زاد المعاد /1/69/.(طبعة مؤسسة الرسالة).