يقدم لنا فضيلة الشيخ رسماً مفصلاً لأجمل وأهم ما اتصف به رسولنا صلى الله عليه وسلم من الخلق الحميد، مستخرجاً القصص والأمثلة من سيرته العطرة المليئة بالمواقف التربوية والإرشادات الملهمة التي وجب علينا اتباعها، حتى يكون اقتداءنا به اقتداء حسناً دقيقاً نافعاً، اقتداء قول وعمل.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أعلن النبي ﷺ في الحديث المشهور المسلسل بالأوليَّة أن رحمة الله إنما تنال الراحمين، فقال: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) [1] كما بيَّن أن الرحمة إنما تخصُّ الراحمين من الناس، فقال: (من لا يَرحم لا يُرحم) [2]. وقد كان ﷺ القدوة والأسوة في هذا الخلق العظيم، فشملت رحمته ﷺ كلَّ الكائنات، وتجلَّت في مظاهر عديدة، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].
فأمَّا رحمته بالإنسان فقد ظهرت في رحمته ﷺ بالمؤمن والكافر، والعاصي والمطيع، والصغير والكبير، والنساء والرجال.
رحمته ﷺ بعموم المؤمنين والمؤمنات: أثنى الله تبارك وتعالى على نبيه ﷺ في معرض امتنانه على المؤمنين فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ۱۲۸]، أي يشقُّ عليه ضرركم، وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقِّكم [3]. فمن مظاهر رحمته ﷺ بالمؤمنين ورغبته في إيصال الخير لهم في الآخرة ما رواه عبدُ اللَّهِ بن عَمرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنه :أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَولَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبرَاهِيمَ {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرًا مِن النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي…} الآيَةَ [إبراهيم: ٣٦] وَقَالَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام: {إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبرِيلُ اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ – وَرَبُّكَ أَعلَمُ – فَسَلهُ مَا يُبكِيكَ. فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبرِيلُ اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُك) [4].
ومن مظاهر رحمته ﷺ بالمؤمنين ورغبته في إيصال الخير لهم في الدنيا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: (ما من مؤمن إلا وأنا أَوْلَى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إنْ شِئْتم: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: ٦]، فأيُّما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته مَن كانوا، ومن ترك دينًا أو ضَيَاعًا – أي: أولادًا فقراء – فليأتني فأنا مولاه) [5].
وأما رحمته ﷺ بالكفار: فقد ظهرت بحرصه ﷺ على هدايتهم وإنقاذهم من النار، وقد بلغ من رحمته ﷺ أن كادت نفسُه تتلَف حسرةً وأسفًا عليهم إن لم يؤمنوا، وفي ذلك يقول سبحانه: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: ٦]، ويقول تعالى: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: ٨].
ومن أمثلة حرصه ﷺ على هدايتهم رحمة بهم ما ورد عن أنسٍ رضِي اللّه عنه قال: (كان غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ) [6].

 

[1] الجامع الصحيح للترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، رقم 1924، وقال حسن صحيح، والسنن لأبي داود، كتاب الأدب، باب في الرحمة، رقم 4941.
[2] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، حديث رقم5779. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال، حديث رقم2318.
[3] الرازي، التفسير الكبير، 16/177.
[4] المسند الصحيح لمسلم، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي ﷺ لأمته، وبكائه شفقة عليهم، حديث رقم 346.
[5] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ من ترك مالا فلأهله، حديث رقم 6350. والمسند الصحيح لمسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالا فلورثته، حديث رقم 1619.
[6] الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام، حديث رقم 1290.