كتاب الطوالع السعدية في بيان مهام الدعوة الفردية للحبيب محمد بن عبد الرحمن السقاف الداعية الإسلامي وصاحب المصنفات في مجال الدعوة، وهو كتاب مهم في بيان قضية الدعوة إلى الله بشكل عام، والدعوة الفردية بشكل خاص، ويبين للمسلم مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة}، يبين فيه الحبيب محمد أهمية الاهتمام بأمر المسلمين ودعوتهم إلى سبيل الله، وأهمية الدعوة الفردية من خلال بيان مهمة بعث الرسل ليوقظوا قلوب العباد، وتأييدهم المنهاج الكامل، وذكر الآثار والأدلة التي تحث على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والكلام عمن هو مكلف بالدعوة الفردية، وبيان الأوهام التي تثبط الدعوة ومعاني الدعوة الفردية ومراحلها والآداب القلبية للداعية.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مراحل الدعوة الفردية ووسائلها وأساليبها

 

للدعوة الفردية مراحل لابد للداعي أن يراعي التدرج فيها مع المدعو، فإنه إن لم يراع هذا التدرج قد يرجع بنتيجة عكسية، وهذه المراحل هي المقصودة من هذا المبحث عن الدعوة الفردية.
ودلت كثير من الآيات والأحاديث والسيرة النبوية على التدرج، مثال ذلك قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: ١٢٥] فهذه مراحل:
أولا: الدعوة بالحكمة وتأليف المدعو بأساليب الحكمة المختلفة.
ثانيًا: بالموعظة الحسنة وهي مرحلة التعريف.
ثالثًا: الجدل بالتي هي أحسن لتصحيح الميول والأفكار الخاطئة، والمراحل المقصودة في هذا المبحث هي:
المرحلة الأولى: التأليف.
المرحلة الثانية: التعريف.
المرحلة الثالثة: التكليف.
فلابد للداعي أن يسير وفق هذه المراحل، لأن بالتأليف تنشأ المحبة، ومن أحب شيئا سهل عليه الاقتناع به ومعرفته عن قرب، ومن عرف شيئا واقتنع به سهل عليه البذل في سبيله، كما قيل: “من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل”. أو: “من يعرف المطلوب يحقر ما بذل”.
وكذلك يجب على الداعي أن يراعي في هذه المراحل شخصية المدعو، فقد تختلق بعض الأساليب من شخص إلى آخر.
وأذكر لكل مرحلة من هذه المراحل أصلًا لابد أن يتحقق به الداعي لكي يتعامل من منطلقه مع المدعو، ومفتاحًا للدخول على المدعو، وأساسا تبني عليه المرحلة.

المرحلة الأولى: التأليف:
وهي مرحلة التعارف التي تبنى عليها بقية المراحل، والأصل في هذه المرحلة بالنسبة للداعي: شعوره باحتياجه للمحبة في الله وبث هذه الروح في الآخرين، ومفتاح هذه المرحلة بالنسبة للمدعو والدخول عليه وبداية العلاقة: هو المقابلة الطيبة بالوجه الطلق والابتسام.

وسائل هذه المرحلة:
1. طلاقة الوجه والبشاشة والابتسام.
2. التعرف على الاسم وحفظه ومخاطبته به بعد ذلك عند اللقاء.
3. التقدير والاحترام للمدعو.
4. حسن الخطاب وحسن الاستماع وإن كان الموضوع غير مهم.
5. اختيار الموضوع المناسب.
6. عدم مفاتحته بالمسائل الدينية من البداية.
7. محاولة معرفة شخصية المدعو بدون إشعاره بذلك، إما بالسؤال عنه من يعرفه، أو بتناول الحديث معه.
8. ملاحظة الشيء الحسن في المدعو وامتداحه فيه دون مبالغة، كما قال صلى الله عليه وسلم للأشج لما قدم عليه: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» [1].
9. لابد من إبقاء خيط صلة يربطه به قبل الافتراق، مثل رقم الهاتف.
10. الزيارات.
11. الهدية، خصوصًا إذا كان لها مغزى طيب «تهادوا تحابوا» [2]. ((هدية المؤمن سواك)).
12. البدء بالسلام والمصافحة، قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ثلاثة يُثبتنَ لك الود في قلب أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتدعوه بأحب الأسماء إليه، وتوسع له في المجلس».
13. التبشير والتيسير، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «يَسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفروا» [3].
والأساس في هذه المرحلة:
النظر بعين الرحمة الشفقة للمدعو … وعدم الشعور بالأفضلية عليه.

المرحلة الثانية: التعريف:
وهي مرحلة مهمة وحساسة تحتاج إلى دقة في الأسلوب وعدم استعجال لحسن تلقي المدعو.
والأصل في هذه المرحلة الشعور بالمسئولية تجاه أفراد الأمة وإرادته الخير للجميع وهذا يصبر الداعي على مشقة هذه المرحلة.
ومفتاح هذه المرحلة: معرفة ما تتوق إليه نفس المدعو وما هو متعطش له، سواء أكان ميوله للروحانية أو العقلانية أو العلمية أو غيرها من التوجهات فيدخل عليه منها ليوصل إليه الشيء الذي يريده.

وهذه المرحلة تنقسم إلى قسمين:
1. تصحيح الميول والمفاهيم الخاطئة.
2. تعليمه ما لا يعلم أو تذكيره بما يعلم.

وسائل هذه المرحلة:
1. اختيار الوقت المناسب والتأكد أن المتلقي صار متقبلًا للتلقي.
2. اختيار المكان المناسب.
3. اختيار الحال المناسب.
4. استخدام الأساليب غير المباشرة في التعريف ويظهر ذلك كثيرًا في سيرة الداعي الأكبر صلى الله عليه وآله وسلم:
* محاولة إثارة ما في باطن المدعو من معلومات.
* استدراج المدعو للسؤال عن موضوع معين.
* توجيه سؤال واستفسار مصطنع.
5. تهيئة المستمع للإنصات بأي وسيلة من وسائل شد الانتباه:
* ذكر حدث غريب.
* وقائع الأحوال.
* قصة مؤثرة.
* أسلوب الكلام.
* اطلاعه على صور مؤثرة.
6. عدم الإكثار والإطالة في التعريف بل يكون متدرجًا.
7. إهداء الكتاب والشريط في موضوع تريد أن توصله إليه أو معلومة خاطئة عنده تريد أن تصححها.
8. دعوته لحضور مجالس العلم والذكر التي تناسبه.
9. تعريفه بالعلماء وطلبة العلم.
10. عدم إشعاره بمحاولتك جذبه للانتماء لمنهج معين.
11. ذكر فضيلة العلم شرفه، وتوسيع معنى طلب العلم مع بيان الفارق بين حقيقة العلم وصورته.
والأساس في هذه المرحلة: ((خاطبوا الناس على قدر عقولهم)) وقول سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ((حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله)) [4].

المرحلة الثالثة: التكليف:
وهي الغاية التي يريد أن يصل إليها الداعي من المدعوين وهو أن يخرج رجالًا دعاة إلى الله، يخدمون هذه الأمة بوصف الإخلاص والصدق والتآخي في الله والتآزر لنصرة دين الله، والأصل في هذه المرحلة: إقناع الداعي وشعوره بحاجة الأمة إلى أكبر عدد من الدعاة المصلحين وأن جميعهم مؤهلون لذلك، وهذه المرحلة تنقسم إلى قسمين:
1. تحميل المدعو هم الدعوة إلى الله.
2. تنمية قدراته للعمل في سلك الدعوة إلى الله وتوجيه الفكر والطاقة لخدمة الدين.
أولا: تحميل المدعو هم الدعوة إلى الله وحثه عليها، ومفتاح هذه القسم غرس عظمة الدين في قلبه، وإشعاره بالمسئولية الملقاة على عاتقه، وقد قدمنا مسئولية كل شخص وكيف ترفع الأوهام التي عند المدعو، والتي قد تمنعه عن الدعوة إلى الله.

وسائل هذه القسم:
1. ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الحث على الدعوة إلى الله وقد ذكرنا بعضهم في المقدمة والفصل الأول.
2. ذكر حال الأمة وما هم فيه من تخلف، وتكالب للأمم عليهم، خصوصًا المجتمع الذي يعيش فيه.
3. ذكر أحوال الدعاة والجهاد الذي هم فيه، وما نالوه من جهادهم، خصوصًا من عرفه المدعو أو يمت له بصلة.
4. التذكير بعظمة الدعوة وأنها مهمة الأنبياء والمرسلين وأن مدار صلاح الأمة عليه وأساس بلاياها وتسلط الأعداء عليها تركها.

ثانيًا: تنمية قدراته للعمل في سلك الدعوة بتوجيه الطاقة والفكر:
أما الفكر فيعمله في معرفة الأساليب المناسبة لإنقاذ الناس، أما الطاقة لتوجيهها في سبيل الخدمة للدعوة إلى الله.

ومفتاح هذا القسم: بعث الثقة في قلبه بالقدرة على نفع الأمة.

وسائل هذا القسم:
1. حقه على الاجتهاد على غيره.
2. حثه على التفكير ولو يوميًّا في شيء يخدم الأمة.
3. التعاون معه على تنفيذ الأفكار التي يأتي بها.
4. تعويده على زيارة غيره ولو تكون أولًا بصحبة الداعي.
5. حثه على التذكير والوعظ في المجالس الخاصة، ولو أن يذكر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
6. تعريفه بأن الدعوة لا تنحصر بمجرد إلقاء الخطب والمواعظ.
والأساس في هذه المرحلة: مراعاة قدرات الناس قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ٢٨٦].

 

[1] رواه مسلم كتاب الإيمان 24.
[2] موطأ مالك 1413، ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة وابن عساكر: «وتصافحوا يذهب الغل عن قلوبكم». ورمز السيوطي في الجامع لحسنه، وأورد أحاديث بمعناه بعضها حسن. اهـ الجامع الصغير (1/202) وروى الطبراني: «الهدية تذهب بالسمع والقلب».
[3] رواه البخاري.
[4] رواه البخاري برقم 124.