بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحلقة الأولى من الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان
الخميس 12 شوال 1430 – 1 أكتوبر 2009 126
أجرى الحوار: ماهر سقا أميني

تأتي أهمية الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان من كونه أولاً عالماً و عاملا وعابداً، فهو ملم بأكثر العلوم الشرعية وله دروس يومية في التفسير والفقه والسيرة النبوية وغيرها؛ وهو عامل في حقل التعليم والتربية الشرعيين أكثر نهاره بالإضافة إلى الخطابة يوم الجمعة؛ وهو عابد في الليل وآناء النهار. و ثانيا، فإن أمثال هذا الرجل هم أشد ما نحتاج إليه اليوم للتسديد والتصويب مع الأزمات والنوازل والخلافات التي تمر على الأمة، فتجربته الطويلة وخبراته المتراكمة وحديثه الرصين وضوابطه الضرورية خير ما نهديه للناس اليوم وللشباب بشكل خاص.

ولد الشيخ في 17 نيسان في مدينة السلمية التابعة لمحافظة حماه في سوريا عام 1941، وهو الثاني بين إخوته، وعاش في أسرة متوسطة الحال، وكان أبواه كما يذكر على وفاق رائع مع أميتهما – مما نفقده في كثير من البيوت اليوم – درس الابتدائية في مدرسة أبي الحسن حيث حرص أبواه على تعليمه وتعليم إخوته، ويذكر من تلك الفترة يوم جلاء المستعمر الفرنسي لسوريا وصور جنود الاحتلال وهم يغادرون البلدة، وما يزال طعم الشعور بالحرية الذي شعره ذلك اليوم في ذائقته حتى الآن. كان طالباً مجداً ينافس على الدرجة الأولى في كل صف يرتقي إليه ونال الشهادة الابتدائية أولاً على البلدة كلها.

بعد الابتدائية طلب منه والده أن يترك الدراسة ليساعده في عمله التجاري فآلمه ذلك وشعر بأن المستقبل الذي كان يرنو إليه قد تبخر، ولكنه أطاع والده وزاول البيع والشراء ونظم له ديونه وسجلات زبائنه … وكم كان يتوارى خلف أكياس البضاعة عندما يمر من كانوا زملاؤه على الدكان في طريقهم إلى المدرسة وعيناه غارقتان بالدموع.

سافر الشيخ إلى مصر في السادسة عشرة من عمره باحثاً عن عمل بعد أن أفلس والده نتيجة ظروف ضيقت على البلدة بكاملها، ولكنه يقول: أنه أخفق أيما إخفاق وجرح نفسه جروحاً بالغة، ثم عاد ليعيش مع أسرته بعد انتقالها إلى حماه بلد أبيه الذي فتح فيه دكاناً يدر عليه ما يغطي الحاجات الأساسية، وعمل الشيخ في سرايا الحكومة كمتابع للمعاملات لقاء أجر بسيط، ثم التقى بإخوةٍ أطهار يجمعون العلم والأدب والخشوع والتقوى، و كان قد قرأ بنفسه كتاب الإحياء وتهافت الفلاسفة وفضائح الباطنية للإمام الغزالي قراءة خاصة، وقرأ معهم في فقه العبادات وسيرة ابن هشام وتفسير القرطبي، كما جمع إلى العلم جلسات الذكر، وبعد 10 سنوات عاد فانتفض ليتابع تحصيله المدرسي، كان عمره آنذاك قد قارب الحادي والعشرين وقد تزوج في هذا السن زوجته الوحيدة وأم أولاده وكان عمرها حوالي السادسة عشرة.

ومع العمل في دوائر الحكومة حيث عيّن على الشهادة الابتدائية، درس السادس (وكان يومها من المرحلة الاعدادية) والسابع في سنة واحدة، ثم تقدم إلى امتحان الاعدادية ودرس العاشر والحادي عشر في سنة واحدة وتقدم إلى الثانوية فنجح.

ويعلق الشيخ: كان هذا كرماً من ربي، ثم درس في جامعة بيروت قسم اللغة العربية السنة الأولى، ثم انتقل إلى جامعة دمشق وتخرج فيها عام 1970.

وفي بيروت احتاج يوماً إلى قسط الجامعة فاختار بعضاً من كتبه الغالية عليه وأعطاها لأحد أحبابه ليبيعها له، ويشاء الله أن يلتقي هذا الرجل بمن يعرف الشيخ فأخذ منه الكتب ودفع ثمنها أضعافاً وأوصى حامل الكتب بألا يخبر الشيخ عنه ليعيدها له بعد حين على صورة هدية.

التحق الشيخ بوزارة التربية والتعليم مدرساً في ثانوية محردة، وهي قرية كبيرة من أعمال حماه، ثم جاء إلى الإمارات العربية المتحدة وتقدم للمقابلة بقصد الوظيفة وقُبل مدرساً في مدرسة العوير قرب دبي، ثم في مدرسة الأقصى، ثم مدرسة بدر وأخيراً ثانوية دبي، وأثناء هذه الفترة اختارت الوزارة عدداً من المدرسين لتعديل مناهج التربية الاسلامية، واختير الشيخ من هؤلاء كما كُلّف مع الشيخ مظهر قيمه رحمه الله بتأليف كتاب في علم التوحيد ليدرس في المعاهد العلمية في الدولة لطلاب الصف العاشر مع أن تخصص الشيخ في الأصل في اللغة العربية، وذلك لأدائه الممتاز في تدريس كل من اللغة العربية والتربية الاسلامية فضلاً عن دروس يومية بعد صلاة العشاء في مسجد خليفة بن سلطان في ديرة.

قدم استقالته عام 1998، وكان التوجه لإقامة معهد لتعليم اللغة العربية للناطقين وغير الناطقين بها، وشارك في هذا المشروع الاستاذ الدكتور مازن المبارك ثم حالت حوائل بعد دراسة المشروع واستحضار برامجه دون إقامته.

يعمل الشيخ الآن خطيباً وإماماً ومدرساً في جامع خليفة بن سلطان في ديرة.

سؤال: فضيلة الشيخ، بعد مشوار العمر هذا بارك الله فيكم ما الذي ترونه من إيجابيات كانت في جيلكم وهل هي على ما هي عليه في الأجيال الحالية؟

الشيخ: كانت صلة الأبوين مع الأبناء أوثق وأوسع وأقوى مما أراه اليوم، ثم الرغبة في التحصيل العلمي والارتقاء فيه درجة درجة من أجل بناء مستقبل مادي واجتماعي محترم. لعل الآباء والأمهات في ذلك الزمان كانوا أقل تعليماً من اليوم ولكن اهتمامهم بتربية وتعليم أولادهم كان محوراً أساسياً وواسعاً في حياتهم.
اليوم يشغل الأبناء الكثير من الملهيات والمغريات عن الرغبة في التحصيل العلمي والجدية في الحياة، الإعلام والإعلان اليوم يصوران الأمر للأجيال على أن بناء المستقبل قد يتحقق بضربة كرة أو إرسال رسالة هاتفية، والانترنت بما فيها من غرف مغلقة للحوار والمحادثة (الشات) فتح الباب أمام ملهيات كثيرة ومفاسد أكبر، الفضائيات اليوم تغمس الشباب في أوحال الشهوات ليلاً ونهاراً، وتبلبل الأفكار، وتعبث بالثوابت، في أيامنا كانت مثيرات الشهوات والنوازع أقل وهذا كان مساعداً على تصعيد هذه النوازع إلى مرتبات عليا يطل صاحبها منها على المستقبل المرسوم ويبذل ليعمره كل طاقاته التي ساعد على إنضاجها بيت واعٍ (وبيوت اليوم أقل وعياً في ظني) ومدرسة معطاءة (وأيضاً مدارس اليوم كما أرى أقل جودة مما كنا عليه).
كثرة الدروس الشرعية في المساجد وكثرة الإقبال عليها في أيامنا كانت أيضاً تؤدي دورها في بناء القيم والأخلاق والنزوع نحو البناء، فحلقات التعليم هي أنفاس المسجد الذي لم يقتصر على الصلاة فقط بل امتد ليؤدي رسالته، وكأننا كنا في عصر ازدهار الأندلس، أو جامع الزيتونة أو القيروان.

سؤال: فصيلة الشيخ، ماذا عن العلم الشرعي الذي أخذتموه من العلماء مباشرة والذي رافق تحصيلكم المدرسي دون أن يتعارض معه؟

الشيخ: أخذنا العلم عن علماء ومشايخ كبار كانوا ربانيين ومربيّن لأبعد الحدود، كانت طريقة التدريس رائعة تركز على قراءة جيدة ومنضبطة وفهم يتغلغل في ثنايا العبارة وتقويم واعٍ للمضامين ووقفة منصفة أمام عطاء الكتاب، وقد تأثرت بهذه الطريقة ومارستها في التدريس سواء في المدارس أو المساجد، فقد تمضي دروس كثيرة قبل أن نقلب الصفحة إلى التالية.

سؤال: فضيلة الشيخ، عندما يذكر اسمكم يذكر معه مباشرة شرحكم الفريد لجوهرة التوحيد المؤلف من جزئين كبيرين؛ هل لك أن تحدثنا عن ذلك؟

الشيخ: هذا يتصل بالسؤال السابق، فقد أخذت الجوهرة وشرحها على يد شيخ جليل خبير في علم التوحيد فهماً وذوقاً، وما زالت النسخة التي درستها على يد الشيخ موجودة عندي، ثم رأيت أن أخرج الكتاب بصورة لا تضل عن المضامين الأصلية في الشرح السابق وإن كانت تضيف لمسات طرية تقرب المضامين عبر العبارة والمثال، مع حذف ما يتصل بتفصيل النحو والبلاغة مما كان يعيق أحياناً من يتلقى لقلة الزاد من علماء اللغة، عرضت الكتاب على الشيخ فأقره ثم عرضته على الشيخ عبد الكريم الرفاعي وهو من كبار علماء دمشق فأقره وقدم له.
فطبع أول مرة في عام 1970، ودرس الكتاب في كثير من المراكز والمعاهد الشرعية والعلمية، ثم عدت بعد سنين هنا في دبي فأعدت صياغة الكتاب ووظفت فيه العلوم الكونية لأن علم التوحيد يقوم على قاعدتين رئيسيتين: الوحي والكون. وقد خلا كثير من الكتب السابقة من الجانب الكوني، ثم إنني عُنيت عناية خاصة بالمصطلحات وضبطها، ثم عرضته على عدد من أصحاب العقول والقلوب فأقروني وطبع بثوبه الجديد وهو بفضل الله مرجع هام في علم التوحيد.

سؤال: فضيلة الشيخ، عملكم في التدريس لا شك أنه كان مصدراً لخبرات مفيدة ما الذي يمكن أن يؤخذ على مدارس اليوم؟

الشيخ: لا يمكن التعميم هنا لأن الدولة مليئة بالمدارس والمعاهد الحكومية والخاصة والمحلية والأجنبية، ولكنني أعتقد أننا لا نحسن تربية الإبداع، لماذا لا تخرج مدارس اليوم بل وجامعات اليوم أمثال الرافعي وشوقي وغيرهما، نحن لا نحسن احتضان المواهب ورعايتها ثم إننا ننزع دائماً نحو التبسيط والتسهيل والاختزال … وهذا في النهاية لا يؤدي للإتقان ومن مثل هذا خلت كل الميادين تقريباً من المبدعين.

 

وإلى اللقاء في الحلقة الثانية من الحوار مع فضيلة الشيخ عبد الكريم تتان حفظه الله تعالى.